عبد السلام احمد الراغب
24
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
وقوله تعالى : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ هود : 80 يقول : « أي إلى معين ، والاستعارة أبلغ ، لأن الركن مشاهد ، والمعين لا يشاهد » « 23 » ، وقوله تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ الأعراف : 22 يقول : « أخرج ما لا يرى من تنقصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذي يرى ، وعبر عن فعل إبليس الذي لا يشاهد بالتدلّي من العلوي إلى سفل وهو مشاهد » « 24 » . ويلاحظ في تحليل العسكري لآيات القرآن المذكورة إلحاحه على أفعال الرؤية والمشاهدة ، لأنه يركّز على الصورة « البصرية » أكثر من الرماني ، ولكن أبا هلال العسكري حاول الاجتهاد في فكرة « التصوير » الجاحظية مستخدما كلمة « الصورة مع فعلها » حين قال : « فصوّر له قبح صورة المغلول . . . » ولا شكّ في أنه قد تأثّر بفكرة الجاحظ . كما استفاد من تحليل الرماني لآيات القرآن على ضوء فكرة التصوير ، فألحّ على الجانب الحسي البصري في الاستعارة ، ولكنه لم يستطع أن يخرج عن شواهد الرماني وأفكاره وأسلوبه في تحليل الآيات القرآنية ، فظلّ يتعامل مع مفهوم الصورة بإطارها الشكلي والجزئي ، فقصرها على الاستعارة والتشبيه فقط كالرماني ، ولم يربطها بالمعنى والسياق ، مع أن فكرة التصوير أعم وأشمل من التشبيه والاستعارة ، إذا نظرنا إلى الأسلوب القرآني الذي يتخذ الصورة وسيلة للتعبير عن أعراضه الدينية بحيث يمكن أن يعدّ أسلوبه كله أسلوبا تصويريا ما عدا الآيات المتعلقة بالتشريع طبعا ، هذه النظرة الشمولية للأسلوب القرآني التصويري ، تثري مفهوم « الصورة الفنية » وتنقلها من إطارها الجزئي إلى مفهوم كلي شامل مرتبط بالسياق كله الذي يقوم على نظام العلاقات بين الصورة البلاغية المفردة ، والصورة السياقية ، وهذا ما حاول أن يقوم به الناقد الذوّاقة عبد القاهر الجرجاني . فقد حاول الجرجاني ( ت 471 ه ) بعبقريته الفذّة ، أن يصحّح المفاهيم النقدية الخاطئة من قبله ، والتي قامت على الفصل بين اللفظ والمعنى . فنظرت على ضوء هذه الثنائية بين اللفظ والمعنى ، إلى حصر الصورة في الشكل دون المضمون . فقام الجرجاني بربط الصورة بالصياغة أو النظم ، والصياغة عنده متحدة بالمعنى ولا تنفصل عنه ، فأي تغيير في الصياغة يتبعه تغيير في الصورة ، لأن الصورة تفهم من خلال « النظم » يقول الجرجاني : « ومعلوم أن
--> ( 23 ) كتاب الصناعتين : ص 303 . ( 24 ) المصدر السابق : نفس الصفحة .